ابن خلكان

111

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

عليا « 1 » مكانه في دست الوزارة ، وكان جليلا نبيلا سريا ذا فضائل وفواضل ، وهو الذي كتب إليه المتنبي الأبيات الخمسة الدالية الموجودة في ديوانه في أثناء مدائح والده ، ولا حاجة إلى ذكرها . وذكره الثعالبي في « اليتيمة » في ترجمة والده ، وقال : كتب إلى صديق له يستهديه خمرا مستورا عن والده « قد اغتنمت الليلة - أطال اللّه بقاءك يا سيدي - رقدة من عين الدهر ، وانتهزت فرصة من فرص العمر ، وانتظمت مع أصحابي في سمط الثريا ، فإن لم تحفظ علينا هذا النظام ، باهداء المدام ، عدنا كبنات نعش والسلام » وذكر له مقاطيع من الشعر . ولم يزل أبو الفتح المذكور في وزارة ركن الدولة إلى أن توفي في التاريخ المذكور في ترجمته في حرف الحاء ، وقام بالأمر ولده مؤيد الدولة فاستوزره أيضا ، وأقام على ذلك مدة مديدة ، وكانت بينه وبين الصاحب ابن عباد منافسة ، ويقال : إنه أغرى قلب مؤيد الدولة عليه ، فظهر له منه التنكر والإعراض ، وقبض عليه في بعض شهور سنة ست وستين وثلاثمائة ، وله في اعتقاله أبيات شرح فيها حاله . وقال الثعالبي : اجتاح ماله وقطع في العقوبة أنفه وجز لحيته - وقال غيره : وقطع يديه - فلما أيس من نفسه وعلم أنه لا مخلص له مما هو فيه ولو بذل جميع ما تحتوي عليه يده ، فتق جيب جبة كانت عليه واستخرج منها رقعة فيها تذكرة بجميع ما كان له ولوالده من الذخائر والدفائن « 2 » ، وألقاها في النار ، فلما علم أنها احترقت قال للموكل به : افعل ما أمرت به . فو اللّه لا يصل إلى صاحبك من أموالنا درهم واحد ، فما زال يعرضه على أنواع « 3 » العذاب حتى تلف ، وكان القبض عليه يوم الأحد ثامن عشر ربيع الآخر سنة ست وستين وثلاثمائة ، وكانت ولادته سنة سبع وثلاثمائة . [ ولما انصرف أهل خراسان في سنة خمس وخمسين وثلاثمائة أيام الغزاة من الري بعد الحادثة التي جرت هناك - وهي واقعة مشهورة ودفع اللّه شرها -

--> ( 1 ) ترجمة أبي الفتح في اليتيمة 3 : 185 ومعجم الأدباء 14 : 191 ونكت الهميان : 215 وتاريخ ابن خلدون 4 : 452 وراجع أخلاق الوزيرين للتوحيدي . ( 2 ) ر ق بر من : والدفاتر . ( 3 ) أنواع : سقطت من ر ق والمختار .